محمد بن عمر التونسي

39

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

قافلة وردت من بلاد السودان ، من دارفور . وكان قبل ذلك بلغنا أن والدي توجّه من سنار إليها صحبة أخيه . فلما استقرت بوكالة الجلّابة ، توجهت إليها لأسأل عن أبي ، أهو حىّ يتوقّع ، أم أودع اللّحد البلقع ؟ فلقيت على سبيل المصادفة ، رجلا من أهل القافلة مسنّا ، ذا هيبة ووقار ، يسمّى السيد أحمد بدوي . فقبّلت يده ، ووقفت أمامه برهة . فسألني بلطف وقال لي : ماذا تريد ؟ قلت : أسأل عن رجل غائب لي في بلدكم ، لعل يعرفه منكم أحد « 1 » يدلّنى عليه . فقال : من هو ، وما اسمه ؟ فقلت : اسمه السيد عمر التونسي ، وهو رجل من أهل العلم . فقال : على الخبير به سقطت ؛ هو صاحبي وأنا أعرف الناس به ، وأرى بك شبها له ، فكن ابنه ! فقلت : أنا هو ، على تغير حالي ، وتبلبل بالى . فقال : يا بنى ، ما يقعدك عن اللّحاق بأبيك ، لترى عنده ما يهنيك ؟ قلت : قلّة ذات يدي ، واعتدادى وعددي . فقال : إن أباك من أعظم الناس عند السلطان ، وأكرمهم عليه دون أهل الديوان . وإن أردت التوجّه إليه فأنا علىّ مؤونتك ، ومركوبك وراحتك ، حتى تصل إليه ، وتقف بين يديه . فقلت : أحقّ ما تقول ؟ فقال : إي « 2 » ، وحياة الرسول ، لأن أباك فعل معي معروفا لا أقدر على ( 39 ) مكافأته فيه ، ولو بذلت جميع ما تملكه يدي وتحويه . فقلت : أنا أطوع لك من نعلك ، وأتبع لك من ظلّك . فعاهدته على ذلك ، واستوثقت منه هنالك . وجعلت أتردّد عليه ، حتى تأهّب

--> ( 1 ) كذا بالأصل وهو كما يبدو أسلوب ركيك ، وذلك بدل أن يقول مثلا : لعل أحدا منكم يعرفه . ( 2 ) أي ، بمعنى : نعم .